السيد عباس علي الموسوي
15
شرح نهج البلاغة
الأرجل ولم تعتبروا بذلك أو تتعظوا به . وكذلك انظروا كيف تنبت أشجاركم ومزروعاتكم في أجسادهم التي تحللت وأصبحت مصدرا غذائيا لها . وترتعون فيما لفظوا : أي تتنعمون وتأكلون ما تركوه وخلفوه وتسكنون فيما خربوا حيث كانت الديار بهم عامرة وأضحت بفقدهم خرابا فسكنتموها أو أنكم قد عمرتم بالدعاء والذكر وطاعة اللّه ما قد خربوه من ديارهم حيث لم يكونوا يقيمون للهّ فيها ذكر أو دعاء . . . ثم ذكر الأيام وأنها تودع رائحا وتنعى قادما فهي باستمرار في حالة بكاء ونواح وخصوصا عليكم لأنكم القادمون على ما قدم عليه أسلافكم فكأن الأيام أمهات لهم تبكي لفراقهم وتنقلهم عنها إلى الآخرة . . . ( أولئكم سلف غايتكم وفرّاط مناهلكم الذين كانت لهم مقاوم العز وحلبات الفخر ملوكا وسوقا ) أولئك هم أسلافكم من الأجداد والآباء والذين تقدموا عليكم إلى الموت الذي هو غاية كل حي ونهايته إنهم المتقدمون عليكم والسابقون لكم إلى ورود هذا المورد وإلى شرب ما سوف تشربون من الموت وسكراته لقد كانت لهم مقامات العز في الدنيا سواء كانوا ملوكا أو من عامة الناس . . . وسواء كانت لهم صولات وجولات على اختلاف مراتبهم الاجتماعية . . . إنهم الأسلاف الذين تلاقون مصيرهم المحتوم وهو الموت وأنهم على اختلاف مراكزهم ومراتبهم نزلوا القبور وتركوا الدور والقصور . ( سلكوا في بطون البرزخ سبيلا سلطت الأرض عليهم فيه فأكلت من لحومهم وشربت من دمائهم فأصبحوا في فجوات قبورهم جمادا لا ينمون وضمارا لا يوجدون ) إنها صورة تتكرر أمامنا في كل يوم حيث نودّع أحبابا ونودعهم في قبورهم . . . إنهم قد نزلوا تلك الديار الخالية التي احتجزوا فيها إلى يوم القيامة لا يستطيعون إلى الدنيا رجوعا ولا عن أماكنهم تحولا . . . سقطوا في قبورهم فأفنتهم الأرض حيث أكلت لحومهم وشربت دماءهم وتحولوا إلى جماد لا حركة فيهم ولا حياة . . . مات النماء فيهم الذي ينمو في الأحياء وأضحوا بعيدين لا عودة لهم إلى دار الدنيا وأنّى يكون لرهين القبور عودة إلى الدنيا أو رجوع إليها . . . ( لا يفزعهم ورود الأهوال ولا يحزنهم تنكر الأحوال ولا يحفلون بالرواجف ولا يأذنون للقواصف ) بعد أن تحول الإنسان في عالم البرزخ إلى كائن آخر يختلف عما هو